الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

نعمة شراب الجنة ، فتقول : يسقون من رحيق مختوم . إنه ليس كشراب أهل الدنيا الشيطاني ، بما يحمل من خبث دافع إلى المعاصي والجنون ، بل هو شراب طاهر يذكي العقول ويدب النشاط والصفاء في شاربه . و " الرحيق " - كما اعتبره المفسرين - : هو الشراب الخالص الذي لا يشوبه أي غش أو تلوث . و " مختوم " : إشارة إلى أنه أصلي ويحمل كل صفاته المميزة عن غيره من الأشربة ولا يجاريه شراب قط ، وهذا بحد ذاته تأكيد آخر على خلوص الشراب وطهارته . والختم بالصورة المذكورة يظهر مدى الاحترام الخاص لأهل الجنة ، حيث أن ذلك الإحكام وتلك الأختام مختصة لهم ، ولا يفتحها أحد سواهم . ( 1 ) وتقول الآية التالية : ختامه مسك . فختامه ليس كختوم أهل الدنيا التي تلوث الأيدي ، وأقل ما فيها أنها في حال فتحها ترمى في سلة الأوساخ ، بل هو شراب طاهر مختوم ، وإذا ما فتح ختمه فتفوح رائحة المسك منه ! وقيل : " ختامه " يعني ( نهايته ) ، فعندما ينتهي من شرب الرحيق ، ستفوح من فمه رائحة المسك ، على خلاف أشربة أهل الدنيا ، التي لا تترك في الفم إلا المرارة والرائحة الكريهة ، ولكنه بعيد بملاحظة الآية السابقة . ويقول العلامة الطبرسي في ( مجمع البيان ) : " التنافس " : تمني كل واحد من النفسين مثل الشئ النفيس الذي للنفس الأخرى أن يكون له .

--> 1 - عملية ختم الأشياء ( كانت ولا زالت ) ، تستعمل للاطمئنان على سلامة تلك الأشياء من التلاعب بها ، فمثلا . . لكي يطمأن على سلامة وصول شئ معين إلى صاحبه المراد ، فإنه يوضع في ظرف خاص مغلق ، وإذا ما كان الشئ بدرجة عالية من الأهمية ، فلا يكتفي بالغلق ، بل يربط بسلك أو ما شابه ومن ثم يوضع على عقدته شئ من الشمع أو الطين ويختم بختم معين ، كل ذلك للتأكيد من وصوله إلى المراد بدون أن تمتد إليه يد التلاعب .